لا يُقصيك أحد اليوم بالقوة. يُقصونك وأنت تبتسم. يخبرونك بأنك «غير مناسب»، فتشكرهم لأنهم لاحظوك أصلاً. الأسوأ أنك لا تشعر بالإهانة، بل بالفخر، وكأن الإقصاء شهادة جودة لا تُمنح إلا لقلة. لم يعد المشهد غريباً: طابور طويل، وجوه متحفّزة، وهواتف مرفوعة. لا أحد يسأل لماذا يقف، المهم أن يقف. فالأشياء اليوم لا تُشترى لقيمتها، بل لما تمنحه من شعور عابر بالاستحقاق، وكأن المرور من هذا الطابور وثيقة غير مكتوبة بأنك «من النخبة». الغريب أن الأثرياء الحقيقيين لا يقفون في هذه الطوابير، ولا ينتظرون الإذن لاقتناء شيء. من يقف غالباً هو من يريد أن يبدو كذلك، من يشتري الرمز لا الحاجة، والوهم لا القيمة. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لا عند المنتج، بل عند الإنسان الذي قبل طوعاً أن يُقيّم قبل أن يُعامل كزبون.
تحوّل التسويق في بعض العلامات من فن عرض القيمة إلى ممارسة يمكن وصفها بـ«الإذلال الناعم»: انتظر، لا تسأل، وقد تُكافأ… وقد لا تُكافأ. لا أحد يصرّح بأنك خضعت لتقييم اجتماعي، لكنك تشعر به. والأسوأ أنك لا تشعر بالمهانة فوراً، بل تشعر بالفخر، وهذا أخطر ما في الأمر.
تتحول حياتك وبياناتك وصورتك الرقمية إلى ملف غير مرئي يُفتح ويُغلق دون علمك. والبيع هنا لا ينتهي عند الدفع، بل قد يبدأ بعده. مراقبة وترقّب وخوف من «الخروج عن النص». لم تعد القطعة ملكك بالكامل، بل أصبحت ملكية مشروطة بسلوكك الاجتماعي.
إن تصرّفت بطريقة لا تليق بالصورة المرسومة لك، قد تُعاقَب، لا باسترداد المنتج، بل بإقصائك مستقبلاً. هكذا ينقلب الدور: الزبون تحت المجهر، لا السلعة. ويُطلب منك ضمنياً الالتزام بصورة نمطية، لا لأن القانون يفرضها، بل لأن التسويق يريدها.
قانونياً، تبرز أسئلة لا يجوز تجاوزها: أين تقف حدود الخصوصية؟ ومتى يتحول الاختيار التجاري إلى تمييز مقنّع؟ وما مشروعية الإقصاء بلا شفافية ولا حق اعتراض؟
قد يقال إن هذا تسويق ذكي، لكن الذكاء لا يبرّر انتهاك الثقة. التسويق المشروع يخلق رغبة لا خوفاً، ويبني علاقة لا ملفاً.
وفي النهاية السؤال ليس عن سلعة ولا عن علامة، بل عنّا نحن:
متى قبلنا أن يكون الإقصاء شرفاً؟