تستيقظ صباحاً على إشعار عابر. تفتح هاتفك فتجد نفسك داخل معركة. عشرات التعليقات، عبارات متشابهة، نبرة واحدة، هجوم متزامن. لا تعرف من أين بدأ، ولا من يقوده، لكنك تشعر وكأنك في شارع ضيق تتساقط فيه الكلمات كالحجارة. هنا لا تُسمع صفارات إنذار، بل تُسمع أصوات تنبيهات.
إنها حرب شوارع، ولكن من خلف الشاشات.
في قتال الشوارع التقليدي، ترى خصمك، تعرف ملامحه، وتدرك حدوده. أما في الفضاء الرقمي، فالخصم قد يكون حساباً بلا وجه، وصورة بلا صاحب، واسماً مستعاراً يتكرر بعشرات النسخ. الهجوم لا يكون فردياً، بل موجات. الرسائل ذاتها تُعاد، والعبارات نفسها تُستنسخ، والهدف ليس الحوار، بل الإغراق.
الاختلاف في الرأي لا يخيف المجتمعات. النقد لا يُهدّد الأوطان، لكن الحملات المنسقة شيء آخر. حين تتحول الكلمة إلى أداة تعبئة، والرأي إلى جبهة، والتكرار إلى وسيلة ضغط نفسي، فإننا لا نكون أمام نقاش، بل أمام معركة روايات. ليست المسألة إقناعاً، بل إنهاك. ليس الهدف كسبك، بل استنزافك.
الأخطر من الشتيمة نفسها هو تطبيعها، وأن يعتاد الناس على القبح، وأن تصبح القسوة أسلوباً عادياً. عندها لا تُستهدف الحدود، بل يُستهدف الشعور. لا يُقصف المكان، بل يُرهق المعنى.
وهنا تظهر مفارقة أخلاقية عميقة: الحرية لا تعني سقوط المسؤولية. الكلمة حتى وهي افتراضية، ليست خارج القانون ولا خارج الضمير. فكما أن الرصاصة يُحاسب مطلقها، فإن العبارة حين تتحول إلى أداة تشويه منظم لا يمكن أن تختبئ خلف ستار «الرأي الشخصي». الحرية تُحمى بالضابط الأخلاقي قبل أن تُحمى بالنص القانوني، وإذا انفصلت الكلمة عن مسؤوليتها فقدت شرعيتها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الانجرار إلى الأسلوب ذاته هو هزيمة مبكرة.
وليس في هذا دعوة إلى التراجع أو ترك الساحة لمن يتطاول. الدفاع عن الوطن ليس خياراً تجميلياً، بل موقف فطري وواجب أخلاقي. من يعتدي لفظياً لا يُمنح حصانة بالصمت، لكن الفارق الجوهري هو أن المدافع الحقيقي يردّ ليحفظ الصورة لا ليشوّهها، ويثبت موقفه بالحجة لا بالانحدار. القوة ليست في ارتفاع الصوت، بل في بقاء المعنى نظيفاً رغم الضجيج.
الضجيج لا يُطفأ بضجيج أعلى، بل بوعي أهدأ. بعض «الترندات» ليست عفوية، وبعض الأصوات ليست أفراداً، بل أدوات. إدراك هذه الحقيقة هو أول خطوط الدفاع.
الحروب التقليدية تترك دماراً مرئياً، أما هذه فتترك ندوباً غير ظاهرة. وإذا كان الوطن يُحمى بالسلاح على أرضه، فإنه يُحمى بالوعي في فضائه الرقمي. الكلمة قد تكون رصاصة، نعم.. لكنها قد تكون أيضاً ميزاناً.
وأخطر ما في هذه الحرب أنها لا تريد أن تهزمك، بل أن تجعلك تفقد هدوءك فتشبهها.