يحكى أن رجلين قصدا البر فحملا معهما ما يلزم للمبيت، وكان من بين حاجياتهما «برنوص» واحد، أي غطاء النوم الذي يُتقى به برد الليل في الفضاء المفتوح. وفي الطريق التقيا شخصاً فاستأنسا به ودعواه إلى أن يبيت معهما فقبل. وعندما أرخى الليل سدوله، توزع الثلاثة في أماكنهم: هذا عن اليمين وذاك عن الشمال، والضيف في المنتصف، و«البرنوص» فوقهم جميعاً.

في البداية بدا الأمر عادياً، ثم بدأ الغطاء يضيق. ليس لأنه صغر، بل لأن الأيدي كثرت. كل واحد من الطرفين يشدّه ناحيته، لا لحرمان الآخر، بل ليأخذ «نصيبه من الدفء». ومع كل شدّة، كان المنتصف أكثر استقراراً، وأقل انخراطاً في الصراع، وأدفأ مما يظن الطرفان.

طال الشدّ وتزايد الضيق حتى قرر الاثنان إيقاظ الضيف. لم يوقظاه ليشاركهما الغطاء، بل ليحكم بينهما، وليفصل في نزاع لم يكن هو من بدأه. فتح عينيه ونظر إلى المشهد، ثم قال بهدوء:

«أنا مالي خص.. البرنوص مب برنوصي».

قالها وعاد إلى نومه وبقي الاثنان على حالهما.

هذه الحكاية لا تُروى للسخرية، بل للفهم. فكم من مشهد نراه اليوم يشبه هذا المشهد! أطراف تتنازع على مورد واحد، وفرصة واحدة، ومساحة واحدة، وكل طرف مقتنع أن الشد سيمنحه الدفء. وفي المنتصف – دائماً – من لا يمتلك الغطاء، لكنه يعرف كيف يستفيد منه.

في واقعنا كثيرون يسيئون فهم هذا الدور. يظنون أن من في المنتصف سيكون ضحية أو هارباً، بينما الحقيقة أن بعضهم أكثر وعياً بالمشهد من غيره. وهنا يفرض السؤال نفسه:

من الأذكى فعلاً؟

أهو من يتعارك على أطراف الغطاء، أم من نام في المنتصف وترك غيره يختلف؟

الضيف هنا ليس بريئاً ولا مذنباً، بل قارئ جيد للواقع. لم يشترِ الغطاء، ولم يطالب به، ولم يقترح حلولاً أخلاقية. أدرك أن الصراع لا يُنتج دفئاً، وأن أكثر المواقع أماناً هو ذلك الذي لا يُشدّ منه ولا يُشدّ إليه.

ليس كل جدال يستحق الدخول فيه، ولا كل مورد يُقسّم بالعدل، ولا كل صراع يُكسب الدفء. أحياناً الأذكى ليس من يشدّ الغطاء بقوة، بل من يعرف كيف ينام تحته، ويترك غيره يختلف على الأطراف.

ففي حكاية «البرنوص» من لا يمتلك القرار قد يمتلك الفهم، ومن يمتلك الفهم نادراً ما يبرد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Get Appointment

Feel free to contact us and we will get back to you as soon as possible