كم مرة سمعنا عبارة «فلان تغيّر»، نرددها كلما رأينا شخصاً تبدلت مواقفه، أو تبدلت أخلاقه، أو تبدلت طريقته في التعامل مع الآخرين. لكن بعد سنوات من التأمل، لم أعد مقتنعاً بأن الناس يتغيرون بهذه السهولة، بل أعتقد أن ما يتغير هو الظروف، أما الناس فتتكشف.
فالإنسان قد يبدو متواضعاً لأنه لم يُمنح سلطة بعد، ويبدو كريماً لأنه لم يمر بضيق، ويبدو وفياً لأنه لم تُعرض عليه مصلحة أكبر، ويبدو عادلاً لأنه لم يُمتحن بين هواه والحق، فإذا تبدلت الظروف، لم تتبدل الأخلاق، وإنما ظهرت على حقيقتها.
ولذلك، فإن المناصب لا تصنع المتكبرين، بل تكشفهم، والمال لا يصنع البخلاء، بل يفضحهم، والخلاف لا يخلق الغدر، بل يظهره، أما المواقف الصعبة، فهي الامتحان الذي تسقط فيه الأقنعة، ويبقى الوجه الحقيقي وحده.
وهذا لا يعني أن الإنسان لا يتطور أو لا يراجع نفسه، فالتربية، والعلم، والإيمان، والتجارب، كلها قادرة على تهذيب السلوك، وصناعة إنسان أفضل، لكن الفرق كبير بين من يتغير بإرادته، ومن ينكشف أمام اختبار لم يكن يتوقعه. فالأول ارتقى، والثاني انكشف.
ولعل الخطأ الذي نقع فيه أننا نحكم على الناس من أيام الرخاء، بينما الحقيقة لا تُولد إلا في أيام الشدة، ففي الرخاء يتسع صدر الجميع، وتكثر الوعود، وتتبادل المجاملات، أما عند تعارض المصالح، أو توزيع المسؤوليات، أو ظهور المكاسب، فهناك يبدأ الفرز الحقيقي.
لذلك، لا تتعجل في إطلاق الأحكام، لا مدحاً ولا ذماً، واترك للمواقف حقها في الشهادة، فهي أصدق من الكلمات، وأبلغ من الوعود، وأعدل من الانطباعات. فمن السهل أن يتحدث الإنسان عن الوفاء، لكن الأصعب أن يبقى وفياً عندما يصبح الوفاء مكلفاً.
ولذلك، لا تتعجل في منح الناس أوسمة الفضيلة، ولا تتعجل في تجريدهم منها، واترك للمواقف حقها في الشهادة، فهي أصدق من الانطباعات، وأعدل من العواطف، وأبعد من المجاملات، لكن قبل أن تنشغل بمن انكشف أمامك، توقف لحظة واسأل نفسك: لو وضعتني الحياة في الاختبار نفسه.. ماذا كانت ستكشف عني؟