«اختياراتي دمّرت حياتي»، قالها بحسرة وهو يستعرض سنوات عمره، وكأن كل ما مرّ به لم يكن سوى سلسلة من القرارات الخاطئة. ابتسم الآخر بهدوء، وقال: «بل اختياراتي حققت لي ذاتي». للحظة، بدا وكأن أحدهما لابد أن يكون مخطئاً، لكن الحقيقة أن كليهما قد يكون صادقاً.

نحن نميل إلى محاكمة حياتنا من خلال النتائج فقط. فإذا نجح الزواج قلنا: أحسنت الاختيار. وإذا فشل قلنا: أخطأت الاختيار. وإذا ازدهرت الوظيفة نسبنا الفضل إلى القرار، وإذا تعثرت حمّلناه المسؤولية. وكأن الاختيار يحمل في داخله ضماناً بالنجاح أو شهادة بالفشل، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فكم من قرار ظنه صاحبه كارثة، فإذا به بعد سنوات يكتشف أنه كان المنعطف الذي أنضجه، وكشف له حقيقة الناس، وغيّر أولوياته، وقاده إلى حياة لم يكن ليراها لولا تلك العثرة. وفي المقابل، كم من اختيار كان موفقاً في بدايته، ثم أفسدته قلة الصبر، أو الإهمال، أو سوء الإدارة، فتحول إلى تجربة مؤلمة رغم أنه بدأ بداية صحيحة. المشكلة إذن ليست دائماً في الاختيار، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع نتائجه. فالحياة لا تمنح أحداً ضمانات، وإنما تمنحه فرصاً. ومن يتوقع أن تكون كل قراراته صائبة سيقضي عمره يجلد نفسه كلما أخطأ، أما من يدرك أن الخطأ جزء من رحلة النضج، فسيتعامل مع كل تجربة باعتبارها درساً وليست حكماً نهائياً على حياته. ولعل السؤال الأهم ليس: هل كان اختياري صحيحاً؟ بل: ماذا صنعت أنا بهذا الاختيار؟ هل استسلمت لأول عثرة، أم حولتها إلى خبرة؟ هل بقيت أسير الماضي، أم جعلته جسراً أعبر به إلى مستقبل أفضل؟ ليست الاختيارات وحدها هي التي تصنع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يمنح اختياراته معناها. ولذلك قد يقف اثنان عند التجربة نفسها، أحدهما يراها نهاية الطريق، والآخر يراها أول الطريق. وبين الاثنين.. لا يكمن الفرق في الحياة، بل في طريقة قراءتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Get Appointment

Feel free to contact us and we will get back to you as soon as possible