الغريب أننا نطالب المحاكم بأعلى درجات العدالة، ثم لا نمنح الناس الحد الأدنى منها في أحكامنا اليومية. فالمحكمة لا تدين متهماً قبل سماع دفاعه، ولا تكتفي برواية طرف واحد، ولا تبني حكمها على انطباع عابر، بينما قد نصدر نحن حكماً نهائياً على إنسان من كلمة منقولة، أو رسالة مبتورة، أو مقطع لا نعرف ما سبقه ولا ما تلاه.

القلوب ليست محاكم، لكنها تتحول أحياناً إلى محاكم أشد قسوة؛ لا شهود فيها، ولا دفاع، ولا استئناف. يكفي أن يقول أحدهم: «سمعت عنه»، حتى تبدأ المرافعة، وتصدر الإدانة، ويُنفذ الحكم، وربما لا يعلم المحكوم عليه أصلاً أن قضيته نُظرت في غيابه.

وقد جاء التوجيه القرآني واضحاً: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فالآية لم تعالج الظلم بعد وقوعه، بل أغلقت بابه قبل أن يبدأ. لم تقل: اعتذروا إذا أخطأتم في الحكم، بل قالت: تثبتوا قبل أن تحكموا. فالعدل الحقيقي لا يبدأ عند تصحيح الخطأ، وإنما عند منع التسرّع الذي يصنعه.

ومشكلتنا أننا لا نحاكم الأفعال وحدها، بل نحاكم النيات أيضاً. نعرف ماذا قال الإنسان، ثم نزعم أننا نعرف لماذا قاله. نرى موقفاً واحداً، فنكتب به تاريخاً كاملاً، ونحوّل لحظة ضعف إلى صفة دائمة، وكأننا لم نخطئ يوماً، ولم نقل كلمة ندمنا عليها، ولم نحتج إلى من يلتمس لنا عذراً.

وهذا لا يعني تعطيل الفطنة، ولا التساهل مع الخطأ، فالحذر مطلوب، والمساءلة ضرورة، لكن الفرق كبير بين التثبت والتشكيك، وبين المحاسبة والتشهير، وبين نقد موقف وإعدام صاحبه معنوياً. فالعدل لا يقتضي البراءة دائماً، لكنه يقتضي ألا تصدر الإدانة قبل اكتمال الصورة.

والعلاج ليس أن نُحسن الظن بالجميع على إطلاقه، بل أن نؤجل الحكم حتى نسمع، ونتثبت قبل أن ننقل، ونفرّق بين ما نعرفه وما نتخيله. فكم من علاقة هدمها خبر كاذب، وكم من سمعة شوّهها نقل ناقص، وكم من إنسان ظُلم لأنه لم يجد من يسأله قبل أن يدينه.

لذلك، اجعل قلبك موضعاً للرحمة، وعقلك ميزاناً للعدل، ولا تمنح الانطباعات سلطة الأحكام، فالمحاكم العادلة تسمع الجميع، أما القلوب المتعجلة فتكتفي بمن وصل إليها أولاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Get Appointment

Feel free to contact us and we will get back to you as soon as possible