كان يظن أنه يعرف نفسه.
كان يقول بثقة: لو تعرّضت لهذا الموقف لفعلت كذا، ولو خُيِّرت لاخترت الحق، ولو رأيت ظلماً لما سكت.
لكن الحياة لا تكشف معادن الناس وهم يتحدثون، بل وهم يُمتحنون.
وجاءت ساعة الحقيقة.
لم يكن الامتحان كبيراً كما تصور، ولم يكن بين الموت والحياة، بل كان بسيطاً؛ كلمة حق قد تكلفه منصباً، أو موقفاً صادقاً قد يغضب صاحب نفوذ، أو وفاءً لصديق قد يجلب عليه متاعب هو في غنى عنها.
وهنا اكتشف نفسه للمرة الأولى.
فالإنسان لا يعرف مقدار شجاعته قبل أن يخاف، ولا يعرف حجم وفائه قبل أن يُطلب منه الوفاء، ولا يعرف قوة مبادئه قبل أن يصبح لها ثمن.
ولهذا لا تعجبني الأحكام التي نصدرها على أنفسنا في أوقات الرخاء، لأن الرخاء لا يمتحن أحداً. الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ، والسلامة مع الكلمة، والخوف مع الضمير.
هناك فقط تأتي ساعة الحقيقة.
ولذلك لا تُقاس قيمة الإنسان بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين يصبح قادراً على أن يتراجع، أو يسكت، أو يغير موقفه، ثم يختار ألا يفعل.
وأحسب أن أجمل ما في الحياة أنها تمنح كل إنسان هذه الساعة مرة واحدة على الأقل. قد تأتي في بيته، أو في عمله، أو مع صديق، أو في موقف يظنه عابراً، لكنها لا ترحل قبل أن تجيب عن سؤال واحد:
من أنت حين تُختبر؟
فإذا خرج الإنسان من ساعة الحقيقة محتفظاً بضميره، فقد ربح نفسه، ولو خسر أشياء كثيرة.
أما إذا خرج منها وقد كسب الدنيا كلها، لكنه خسر احترامه لنفسه، فسيظل طوال عمره يبحث عن انتصار لا يجده.
لأن ساعة الحقيقة لا تصنع الإنسان، إنما تكشفه.