يعترف كثيرون بذلك في سرّهم، لكن القليلين يجرؤون على قوله بصوت مرتفع. فبعد كل خذلان، وكل غدر، وكل موقف يكتشف فيه الإنسان أن النزاهة لم تكن الطريق الأقصر، يراوده سؤال ثقيل: لماذا لا أصبح مثلهم؟

لماذا لا أتعلم المراوغة؟ لماذا لا أرتدي الأقنعة؟ لماذا لا أجامل إذا كانت المجاملة تفتح الأبواب؟ ولماذا أتمسك بالمبدأ إذا كان غيري يتجاوزه ويصل قبلي؟

هذه الأسئلة لا تولد من قناعة، بل من ألم، فالإنسان لا يفكر في التخلي عن مبادئه لأنه يكره الفضيلة، وإنما لأنه يرى أحياناً أن الانتهازية تحقق مكاسب أسرع، وأن أصحاب الوجوه المتعددة يعبرون الجسور التي يعجز الصادقون عن عبورها.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ينجح بعضهم؟ بل: بأي ثمن ينجحون؟ فقد يربح الإنسان شيئاً ما بخداع، أو صفقةً بكذب، أو علاقةً بنفاق، لكنه يعتاد مع الوقت أن يبيع جزءاً من نفسه في كل مرة. وقد لا يشعر بالخسارة في بدايتها، لكنها تتراكم حتى يصبح عاجزاً عن التمييز بين وجهه الحقيقي والوجه الذي اعتاد أن يقدمه للناس.

وفي المقابل، قد يدفع صاحب المبدأ ثمناً باهظاً. قد يخسر فرصة، أو يخسره بعض الناس، أو يتأخر عن غيره. لكنه يحتفظ بأغلى ما يملكه: احترامه لنفسه، وطمأنينته حين يراجع مواقفه، وثقة من عرفوه على حقيقته، وهذه مكاسب لا تُقاس بالسرعة، بل بطول العمر.

وهنا يكمن الفرق بين النجاح السريع والنجاح المستحق.. فالأول قد تصنعه الحيلة، أما الثاني فلا يصمد إلا بالأخلاق. وما أكثر من لمعوا زمناً ثم انطفؤوا، لأن ما بُني على الخداع يحتاج إلى خداع جديد ليبقى قائماً.

ولذلك، لا تجعل إساءة الآخرين مبرراً لتغيير مبادئك، بل اجعلها سبباً لمراجعة أسلوبك. كن أكثر حكمة في اختيار من تثق بهم، وأكثر حزماً في حماية حقوقك، لكن لا تسمح للغدر أن يعيد تشكيل شخصيتك، فليس أعظم انتصار أن تهزم خصمك، بل أن تنتصر عليه دون أن تتحول إلى نسخة منه.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نختم به ليس: لماذا لا نصبح مثلهم؟ بل: إذا أصبحنا مثلهم.. فمن يبقى مختلفاً؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Get Appointment

Feel free to contact us and we will get back to you as soon as possible