خرج من الاجتماع منتصراً. فرض رأيه، وأسكت معارضيه، وغادر وهو يشعر بنشوة الغلبة. لكن حين عاد إلى مكتبه، وجد أنه ربح النقاش.. وخسر الفريق. عندها أدرك أن بعض الانتصارات تُصفق لها اللحظة، ثم يُدفع ثمنها سنوات.

اعتدنا أن نقيس النجاح بمن غلب، ومن سبق، ومن كسب، حتى أصبح الانتصار غاية في ذاته، دون أن نسأل السؤال الأهم: ماذا دفع المنتصر ثمناً لانتصاره؟ فالفوز الحقيقي لا يُقاس بما حصلت عليه فقط، بل بما فقدته في الطريق إليه.

قد ينتصر الزوج في كل جدال، لكنه يخسر دفء بيته. وقد يفرض الأب رأيه بالقوة، فيكسب الطاعة ويخسر الثقة. وقد يربح التاجر صفقة، ثم يخسر سمعته. وقد يفوز الموظف بمنصب، لكنه يخسر احترام زملائه. وقد يكسب الإنسان قضية، لكنه يخسر أخاً، أو صديقاً، أو شريك عمر. فهل كانت تلك انتصارات.. أم خسائر ارتدت ثوب الفوز؟

المشكلة أن كثيراً من الناس يحسبون الأرباح، ولا يحسبون الفاتورة. فإذا كان ثمن الانتصار هو ضميرك، أو مبادئك، أو كرامتك، أو من تحب، فهل بقي للانتصار معنى؟ إن بعض الهزائم أشرف من انتصارات تُبنى على الظلم، وبعض التنازلات أعظم من معارك لا تخلّف إلا الخراب.

وهذا لا يعني أن يتخلى الإنسان عن حقه، أو أن يهرب من المواجهة، بل أن يختار معاركه بحكمة، وأن يسأل نفسه قبل كل صراع: هل أبحث عن الحق.. أم عن الغلبة؟ فبين السؤالين ما يصنع فرقاً في النتيجة وفي الإنسان نفسه.

ولذلك، قبل أن تحتفل بأي انتصار انظر إلى فاتورته. فإن وجدت أنك دفعت أخلاقك، أو خسرت إنسانا لا يعوض، أو هدمت علاقة كان يمكن إنقاذها، فراجع معنى الفوز الذي تبحث عنه.

فليس أعظم المنتصرين من غلب غيره، وإنما من خرج من معاركه محتفظاً بحقه، ومبادئه، وإنسانيته. فذلك هو الفوز الذي لا يحتاج إلى تصفيق الناس، لأنه يحظى باحترام الضمير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Get Appointment

Feel free to contact us and we will get back to you as soon as possible